ابو القاسم عبد الكريم القشيري

9

لطائف الإشارات

ويقال : لم يجحد حقّ تربيته ، والإحسان إليه في الظاهر ، ولكن بيّن أنه إذا أمر اللّه بشئ وجب اتباع أمره . ولكن إذا كانت تربية المخلوقين توجب حقّا فتربية اللّه أولى بأن يعظّم العبد قدرها « 1 » . قوله : « فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ » : يجوز حمله على ظاهره ، وأنه خاف منهم على نفسه . والفرار - عند عدم الطاقة - غير مذموم عند كلّ أحد « 2 » . ويقال : فررت منكم لمّا خفت أن تنزل بكم عقوبة من اللّه لشؤم شرككم ، أو من قول فرعون : « ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي » « 3 » . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 22 ] وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 22 ) ذكر فرعون - من جملة ما عدّ على موسى من وجوه الإحسان إليه - أنه استحياه بين بني إسرائيل ، ودفع عنه القتل ، فقال موسى : أو تلك نعمة تمنها عليّ ؟ هل استعبادك لبنى إسرائيل يعدّ نعمة ؟ إنّ ذلك ليس بنعمة ، ولا لك فيها منّة « 4 » . قوله جل ذكره : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 23 ] قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) نظر اللعين بجهله ، وسأل على النحو الذي يليق بغيّه ؛ فسأل بلفظ « ما » - و « ما » يستخبر بها عمّا لا يعقل ، فقال : « وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ؟ » . ولكنّ موسى أعرض عن لفظه ومقتضاه ، وأخبر عمّا يصحّ في وصفه تعالى فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 24 ] قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ ( 24 ) .

--> ( 1 ) هذه إشارة إلى قيمة تربية الشيوخ بالقياس إلى تربية الوالدين ؛ فالوالدان يربيان الأشباح والشيوخ يربون الأرواح . ( 2 ) نتذكر كيف فر القشيري نفسه من المشرق الإسلامي عندما أحدقت به الأخطار ، وهدد السلطان الجائر حياته وعقيدته ، فلم تلن قناته ، وهرب بعقيدته إلى حيث يسلم هو ورفاقه ( أنظر مدخل الكتاب ) . ( 3 ) آية 38 سورة القصص . ( 4 ) لأن تعبيدهم وذبح أبنائهم هما سببا حصوله عنده وتربيته له ، ولو تركهم لرباه أبواه شأن أي طفل . . فليس هنا نعمة ولا منة ، لأن القصد كان إذلال أهله لا الإحسان إليهم أو إليه .